Uncategorized

علاقة القبيلة بالدولة فى الصومال

كتاب “الدولة والقبيلة فى الصومال: من الإستقلال الى الحرب الأهلية (١٩٦٠-١٩٩١م)” تأليف د.عبدالقادر عبدالله عبار، طبع في الطبعة الأولى في ٢٠١٣م، دار الفكر العربى، القاهرة – مصر.

كان الكتاب رسالة دكتوراة للكاتب ترمى توضيح العلاقة المعقدة بين القبيلة ونظام الدولة فى الصومال منذ الإستقلال الى انهيار الحكومة المركزية فى ١٩٩١م. ويهدف الكاتب الى تفسير الواقع الصومالى اللذى يتميز بانقسام مجتمعه بسبب الإنتماء القبلى مما أدى الى قوة الولاء القبلى مقابل ضعف الولاء للدولة والوطن.

ويعتمد الباحث المنهج التاريخى التحليلى لتقصى أثر القبيلة على الدولة وذلك عبر عرض الوثائق والمعلومات المتعلقة بالموضوع ومناقشتها لاستخلاص النتائج.

ويحتوى الكتاب مقدمة وخمسة فصول مرتبة بتسلسل منطقى ويقع فى ٢٠٦ صفحة مقاس ٢٤سم.

الفصل الأول يشرح المفاهيم الأساسية للدراسة “القبيلة، الدولة، الصومال” حيث يعرض الباحث التعريفات اللغوية والمعنوية لكل مصطلح. كما يتناول دور القبيلة فى مناحى الحياة الإجتماعية ومجالات السياسة والاقتصاد والأمن والقضاء فى المجتمع الصومالى. ويناقش فى ربط عدم إكتمال فكرة الدولة والنظم السياسية والثقافية فى مجتمعات العالم الثالث حيث تأسست هذه الدول على أساس السلطة القبلية بدلا من بناء أمة ودولة ينتمى ويحتمى اليها جميع المواطنين. يستعرض الكاتب لمحة تعريفية وتاريخية للصومال كدولة بمفهومها الحديث و دور القبيلة فى أبعاد حياة المجتمع وعلاقتها بالدولة الحديثة.

وفى الفصل الثانى يتناول دخول الإستعمار ودور القبيلة فى تسهيل ذلك. يستعرض كيف استخدم الإستعمار القبيلة لتوظيف أجنداته الإستيلاء على الأراضي والقوى العاملة لتأمين مصالح الدول المستعمرة. والوسائل الذكية التى استخدمتها من رؤساء العشائر وعملاء ذوو النفوذ ومن توقيع إتفاقيات حماية مع العشائر وذلك لتوطيد العلاقة معهم. وكيف ظهرت التنظيمات والأحزاب السياسية ذات جذور قبلية وتشجيع المستعمر بذلك.

والفصل الثالث يناقش دور القبلية فى أيام الحكم المدنى من ١٩٦٠-١٩٦٩م. وفيه يسرد الكيانات السياسية وتوجهاتها بعد الإستقلال وكيف بدأ ‘التوازن القبلى’ فى الحياة السياسية الصومالية وما عاقبها من فساد إدارى ومالى استشرى فى هياكل الدولة. ويعرض الكاتب تأثير القبيلة في مؤسسات الدولة مستخدما جداول توضيحية حول نسبة تمثيل القبائل فى مؤسسات الدولة من المجلس التشريعي والمجلس التنفيذي ومؤسسة الأمن.

فى الفصل الرابع، يتناول علاقة القبيلة بالحكم العسكري ١٩٦٩-١٩٩١م. حيث أن الجيش استولى على السلطة بعد امتعاضه من السياسيين والفساد المستشرى والقبلية التى تنخر مؤسسات الدولة. ويناقش أن أجندة المؤسسة العسكرية كانت فى بدايته محاربة الفساد والظلم الإجتماعى كما أعلنتها قيادات الإنقلاب. وكيف انحرفت عن النهج وأخذت تمارس النظام التقليدى القبلى فى تشكيل مؤسسات الدولة فى الحكم العسكرى. ويفند الكاتب مظاهر تثبيت القبلية في حكم العسكر من خلال تأسيس محكمة أمن الدولة، وتكتيم الحريات، واستئصال الزعامة القبلية واستبدالها بممثلين للدولة “Nabadoon” وبعدها سيطرت بعض من القبائل -من عشيرة الرئيس زياد برى وحلفائها- على دوائر الحكم واستأثرت به.

في الفصل الخامس والأخير يناقش دور القبيلة فى سقوط الدولة الصومالية. حيث يتناول نشأة الجبهات القبلية المسلحة التي حاربت لتغيير النظام. وكون الجبهات تأسست على أسس قبلية كما كانت الكيانات السياسية بعد الإستقلال و تأثرها بالنظام القبلى والمصالح الدول الأجنبية كإثيوبيا. والخريطة القبلية بعد سقوط الحكومة المركزية من كيانات ودويلات تحكمها القبائل والتى أخذت أخيرا بنظام فيدارالى قبلى.

ويفند الكتاب الأسباب التى ساعدت فى تفضيل الإنسان الصومالى قرابة الدم على الدولة الحديثة. ويؤصل الفرق بين حياة البداوة للإنسان الصومالى والدولة الحديثة. حيث أن التسلط الأبوى يغلب على الحرية الشخصية فى الحياة التقليدية، والدولة الحديثة تنبنى على الحريات الشخصية والجماعية معا. ومن جانب آخر، حب الإنسان الصومالى “حرية الفوضى” والتى هى انفلات كامل من متطلبات الحضارة والنظام السياسي من التزامات تجاه الدولة الحديثة مثل الضرائب والقضاء المعاصر واللذى يغاير ما تعارفه عبر الأجيال.

الكتاب من أفضل ما قرأته فى موضوعه حيث تقل الدراسات التى تتناول الموضوع من زاوية الاندماج بين النظام القبلى التقليدى والنظام السياسي المعاصر المتمثل بالدولة الحديثة. ومما يميز هذا الكتاب، ان اعتمد الكاتب على مستندات ووثائق تشهد عن الوقائع والأحداث التى يناقشها الكاتب وذلك يعطى مصداقية لقراءته واستخلاصاته. يرفق الكاتب ٧٤ وثيقة و ٨ خرائط سياسية وجغرافية للصومال قبل وبعد الإستقلال. كما عمل مقابلات لشخصيات عاصرت الوقائع والأحداث موضوع الكتاب. إضافة الى مراجع ومصادر منها رسائل علمية متعلقة بالموضوع.

وحسب رأيى المتواضع، هناك قصور فى بعض النواحى:-

أولا: بمأن الكتاب لم يذكر آثار إيجابية لعلاقة القبيلة بالدولة، وعنوان الكتاب يهيئ قبل قراءة المحتوى أنه سيسرد المظاهر الإيجابية والسلبية لعلاقة القبيلة بالدولة. ولكن إذا كان الغرض -حسب المحتوى- بذكر ومناقشة التأثير السلبى، أن يكون العنوان مثلا ” العلاقة السلبية بين الدولة والقبيلة فى الصومال”.

ثانيا: تناول الكاتب الجذور الأساسية للعلاقة السلبية بين القبيلة والدولة من غلابة البداوة وقلة وعى الصوماليين بالدولة الحديثة وعوامل أخرى. ولكنه لم يفند أكثر لماذا فشلت القيادات ذات الأجندات الوطنية بعد الإستقلال مباشرة حيث كانت تحظى بتأييد الشعب، لماذا لم توجه عقلية الإنسان الصومالى الى تقديم ولائه للدولة؟ كان ذلك ممكنا أثناء الفترة الأولى للحكومة المدنية لتأييد الشعب لها، وفى حكومة العسكر للقوة العسكرية؟ ما هي الجذور الأساسية التى جعلت جهودهم تفشل وترضخ للممارسة القبلية؟

ثالثا: رغم وجود توصيات لتصويب الممارسة السياسية، الا أن الكاتب لم يتناول توصيات توازن حجم المشكلات التى عرضها فى الكتاب. فمثلا كيف نغير الدور السلبى للقبيلة الى إجابى؟ وهل الحزبية وتقسيم السلطة عبر القبيلة يغير النتائج السلبية لدور القبلية العصبية؟

رابع: هل استخدام كلمة “القبيلة” أفضل من “القبلية أو التعصب القبلى” لأن مدلول القبيلة كما تناول الكاتب ليس ركن المشكلة، بل استخدام البعض -السياسيين- أجج التعصب القبلى لحصول مصالح شخصية لا يشاركها أعضاء العشيرة بشيء. والقبيلة لها أدوار ثقافية واجتماعية واقتصادية تنفع المجتمع.

وأنصح بقراءة الكتاب لتميزه ومما يحتويه من مادة علمية ومعلومات جمة موثقة واستنتاجات يقبلها العقل لكونها مستندة لوثائق ومعلومات من مصادر أولية(أصلية).

عرفات على.

Share this:

Related Articles

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Back to top button